مخاطر الأنساب وعواقب إدعاء الإنتساب

الكاتب مركز الدراسات والبحوث بتاريخ .

بقلم الفقير الذليل لربه تعالى، حسان بن محمدعلي بن عمر الطيار

(شاهد النص على هيئة فيديو)

الحمد لله وحده المتفرد بالجلال، مقسم الأرزاق وخالق العباد، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين النبي المهاب وعلى أهل بيته وآله وقرابته وسلم تسليماً كثيراً، ثم أما بعد:

فلقد شاع في الآونة الأخيرة وطاف وفاض الكيل ممن هب ودب، مدعين انتسابهم لقبائل ليس لهم فيها ناقة ولا بعير، ولا شأن ولا حق من قريب أو بعيد. فهذا يبحث عن (الشريف والسيد) ليسبق اسمه، وهذا يبحث عن انتساب لقبيلة ينتمي إليها هذا الحاكم أو الرئيس أو الوزير أو العالم. وقد نسي كل هؤلاء أن أمر الأنساب خطير، وشأنها عظيم، ليست طعمة سائغة لكل أحد يعبث فيها أو يغير فيها، وليست إنشاءً يتحدث فيه الجهلاء، ويفتي فيه أهل الهوى، ويقوم ويقعد به الضعفاء، وإنما هو علم تأصيلي تقوم عليه أحكام شرعية ومسائل فقهية منها علم الفرائض والوقف وغيره. حث عليه الإسلام في مواضع شتى. ومنها ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر) رواه الترمذي في سننه (1902) والحاكم في المستدرك (7393) وأحمد في مسنده (8513) بلفظ: (فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في أثره)، والطبراني في المعجم والبيهقي في الشعب، وغيرهم.

علم له قواعده وأسسه ونظمه وأركانه وخصائصه ونظامه يكفل لعباد الله حقوقهم، ومنها الرحم والإرث والوقف وتحريم الصدقة والزكاة واستحقاقها وغيرها من الأمور الشرعية والمسائل الفقهية. لذا كان من يكفر بنعمة أبيه وينتسب لغيره قريباً كان أو بعيداً، يريد بذلك الغنى أفقره الله، أو الكرامة أهانه الله إن عاجلاً أم آجلاً.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر) رواه البخاري (6270)، ومسلم (94)، وأبن حبان (1488) بلفظ: (فإنه من رغب عن أبيه فقد كفر)، وأحمد (10393) وغيرهم. ولفظ الأب لا يقف عند الأب القريب بل يمتد للجد وما علاه. قال تعالى على لسان نبيه يوسف عليه السلام: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) يوسف:38، في الوقت الذي كان يعقوب أبوه، وإسحاق جده، وإبراهيم جد أبيه، عليهم السلام أجمعين. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا ابن الذبيحين) يعني ابيه عبدالله وأبيه إسماعيل بن الخليل عليهم السلام، والفارق الزمني بينهما عظيم.

وقال تعالى: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" الأنفال:75، وقال تعالى: "وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِين) الأحزاب:6، فكيف استساغ اللاهثون وراء الإنتساب لغير قبائلهم وأسرهم أمرهم البغيض هذا، وهم بذلك يكفرون بما قال الله تعالى وأمر به، بادعائهم الرحم إلى غير أرحامهم، والإنتساب لغير أسرهم! فيقطعون بذلك حق أمر به سبحانه وتعالى (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ) البقرة:27، ويعتدون على حقوق العباد وأنساب أرادها الله بمشيئته (وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) البقرة:27.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (الحديث... ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً) رواه مسلم (2433) و(2774)، والترمذي (2047)، وابن ماجة (2703)، وأحمد (581) وغيرهم. وهذا يشمل الأب القريب والبعيد فالكل في الحكم سواء كما سبق بيانه. قال أهل العلم: "الصرف: العمل، والعدل: التوبة" والعياذ بالله.

ولقد عد كثير من العلماء انتساب العبد إلى غير أبيه وجده قريباً كان أو بعيداً، من عظائم الكبائر التي توعدت صاحبها بالوعيد الغليظ والهلاك الشديد، كتحريم الجنة عليه وتبوأ المقاعد في النار. ويدخل في هذا الوعيد، المقر بالنسب الباطل، والمزور، والمعين والكاتب والشاهد والداعم والمحرض والمناصر والمؤيد والمقر له بأية صورة من صور ذلك، لإعانته الظالم على ظلمه.

وعن سعد بن وقاص رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام) رواه البخاري (3982)، و(6269) بلفظ: (من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام)، ومسلم (96)، وأبو داود (4449)، وابن ماجة (2600)، وأحمد (1417)، وغيرهم.

وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ومن ادعى قوماً ليس له فيهم فليتبوأ مقعده من النار) رواه البخاري (3246)، ومسلم (93)، وأحمد (20492) وغيرهم.

فأي وعيد أعظم من هذا، وأي عاقبة وخيمة تنتظر القائمين بمثل هذه الأعمال، فإما (كفر)، وإما (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً)، وإما (فالجنة عليه حرام)، وإما (فليتبوأ مقعده من النار)، وذلك لمن انتسب لغير أبيه أو قوماً ليسوا بقومه مع علمه بذلك، وسواء كان القائم بالأمر أو معينه وناصره ومؤيده ومقره.

وهذا يعني انتساب الإنسان لغير أبيه وجده سواء كان قريباً أو بعيداً، رغبةً عنه مع علمه به، وهذا إنما يفعله أهل الجفاء والجهل والكبر الباحثين عن الشهرة أو الحاسدون للناس على ما آتاهم الله من فضله، أو لإكمال النقص الذي يراه في نفسه حسداً منه لغيره، ولا شك أن هذا محرم معلوم التحريم. ويدخل في ذلك -كما سبق بيانه- المقر له، والمعين على ظلمه، والمؤيد لفعله، والمناصر لعمله، فالكل في الحكم سواء. فالمعين على القتل قاتل، والمدبر للسرقة سارق، وساقي الخمر كصانعها، ومؤول الرشوة كمجيزها.

قال النووي في شرح مسلم: (هذا صريح في غلظ تحريم انتماء الإنسان إلى غير أبيه; لما فيه من كفر النعمة، وتضييع حقوق الإرث والولاء والعقل وغير ذلك، مع ما فيه من قطيعة الرحم والعقوق).

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

ترحب إدارة الموقع بكافة التعليقات والملاحظات، وذلك من خلال صفحة (اتصل بنا).